بين السراي والمتنبي.. نصف قرن من حكاية القرطاسية وذاكرة بغداد
في متجره الذي تعبق أرجاؤه برائحة الورق والأحبار وألوان الرسم والأدوات الهندسية والمستلزمات المدرسية، يقف عصام طهماس العلوي عند مدخل شارع الرشيد من جهة ساحة الرصافي، بمحاذاة شارع المتنبي، ليستحضر تجربة تمتد لما يقارب خمسة عقود في عالم القرطاسية. فقد بدأ رحلته في هذه المهنة عام 1976، عندما كان طفلاً يرافق أحد جيرانه من منطقة زيونة خلال العطلة الصيفية، ليدخل إلى عالم الورق الذي أصبح لاحقاً مهنته وشغفه.
ذاكرة المكان.. من السراي إلى المتنبي
يرتبط عمل العلوي بذاكرة بغداد القديمة، حيث يشكل شارعا السراي والمتنبي جزءاً من تاريخ المدينة الثقافي والتجاري، ويختزلان حكايات أجيال تعاقبت على اقتناء الكتب والدفاتر والأدوات المدرسية.
تحولات عالم القرطاسية
يرى العلوي أن عالم القرطاسية شهد تغيرات كبيرة عبر العقود، موضحاً أن هذا القطاع كان في الماضي يقتصر على عدد محدود من المستلزمات الأساسية، بينما أصبح اليوم أشبه بـ”بحر واسع” يضم أصنافاً لا حصر لها.
ويشير إلى أن القرطاسية لم تعد تقتصر على الدفاتر والأقلام واللوازم المدرسية، بل توسعت لتشمل الهدايا والحقائب وبرامج الحاسوب وملحقاتها، إلى جانب المسابح وألعاب الأطفال والمنتجات الترفيهية التي يصفها بـ”فنطازية القرطاسية”، فضلاً عن مستلزمات حديثة أصبحت جزءاً من احتياجات معظم الأسر.
ويستذكر العلوي بساطة الحياة الدراسية في الماضي، موضحاً أن الطلبة حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي كانوا يغلفون دفاترهم وكتبهم بورق أسمر، ويثبتون بطاقات الأسماء باستخدام صمغ منزلي يُحضّر من الماء والسكر، في وقت كانت فيه الحياة أكثر بساطة مقارنة بما هي عليه اليوم.
الاستيراد وحركة السوق
وعن مصادر البضائع، يبين العلوي أنه يستفيد من حمله للجنسية الأوروبية في استيراد منتجات مختارة من ألمانيا والسويد تلائم احتياجات السوق العراقية، لكنه يؤكد أن الغالبية تعتمد على الاستيراد من الصين، ولا سيما من مدينة ييوو (Yiwu)، التي تعد من أبرز المراكز العالمية لتجارة القرطاسية.
ويشير إلى أن الدفاتر وأقلام الرصاص تتصدر قائمة المنتجات الأكثر مبيعاً، تليها المساطر والألوان ودفاتر الرسم والمبرايات، فيما تندرج بقية الأصناف ضمن الكماليات أو ما يصفه بـ”فنطازية القرطاسية”، والتي تحظى بإقبال جيد وإن كان أقل من المستلزمات الأساسية.
بين جيلين.. اختلاف في الاحتياجات
ويقارن العلوي بين واقع الدراسة في الماضي والحاضر، موضحاً أن طالب الجامعة في السابق لم يكن يمتلك حتى “دفتر أبو السيم”، بينما يحرص تلميذ المرحلة الابتدائية اليوم على اقتنائه.
ويضيف أن الحقائب المدرسية كانت نادرة في طفولتهم، ما اضطرهم إلى ربط الكتب بأحزمة قديمة، في حين يحمل أطفال اليوم حقائب حديثة وباهظة الثمن، ويستبدلونها أحياناً قبل انتهاء العام الدراسي، الأمر الذي يزيد الأعباء المالية على الأسر.
أما أقلام الرصاص، فيؤكد أن الخيارات كانت تقتصر على نوع واحد يعرف بـ”أبو الحية”، بينما يتوفر اليوم أكثر من 150 طرازاً مختلفاً. كما أن القلم الميكانيكي كان يُصنع بموديل واحد فقط، في حين باتت الأسواق تضم آلاف التصاميم. ويستشهد بزيارته لأحد معارض الأقلام في ألمانيا، حيث اطلع على أقلام صممت خصيصاً للأشخاص الذين يكتبون باليد اليسرى.

الجغرافيا التاريخية لأسواق بغداد
وفي ختام حديثه، يستعرض العلوي تاريخ المنطقة، موضحاً أن شارع المتنبي لم ينشأ في الأصل ليكون شارعاً للمكتبات، بل كان يعرف في العهد العثماني بشارع “فرن صمون الجيش العثماني”، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مركز للمطابع والمكتبات.
ويشير إلى أن سوق الوراقين العباسي الحقيقي هو سوق السراي، الذي يتقاطع بزاوية حادة مع نهاية شارع المتنبي، ويمتد حالياً من محلات “كبة أبو علي” وصولاً إلى جسر الشهداء، بمحاذاة سوق السراجين الذي اشتهر منذ العهد العثماني بدباغة الجلود وصناعة منتجاتها.


لا يوجد تعليق