مقهى الشابندر.. ذاكرة بغداد الثقافية

8
مقهى الشابندر

مقهى الشابندر


في قلب شارع المتنبي، أشهر شوارع بغداد الثقافية، يقف مقهى الشابندر شاهداً على أكثر من مئة عام من تاريخ العراق السياسي والثقافي والاجتماعي. فمنذ تأسيسه عام 1917، لم يكن المقهى مجرد مكان لاحتساء الشاي أو لقاء الأصدقاء، بل تحول إلى فضاء فكري وثقافي احتضن الأدباء والشعراء والسياسيين والفنانين، وأصبح جزءاً أصيلاً من ذاكرة العاصمة العراقية.

وعندما يخطو الزائر إلى داخل المقهى العريق، يشعر وكأنه يعبر بوابة إلى زمن آخر؛ فالجدران المزدحمة بالصور التاريخية، والأثاث البغدادي التقليدي، وأحاديث المثقفين التي لا تنقطع، كلها تمنح المكان روحاً خاصة تميزه عن سائر المقاهي البغدادية. ويختزل المقهى بين أروقته عقوداً طويلة من الأحداث والتحولات التي شهدها العراق، ليبقى واحداً من أهم رموز بغداد الثقافية.

ملتقى الفكر والسياسة

يقع مقهى الشابندر في شارع المتنبي، الشارع الأشهر في العراق لبيع الكتب وإقامة الفعاليات الثقافية والفنية، ويحمل اسمه دلالة تاريخية تعود إلى كلمة “الشابندر” التركية التي تعني “رئيس التجار”.

ومنذ السنوات الأولى لتأسيسه، أصبح المقهى مركزاً لتجمع السياسيين والمثقفين العراقيين، ومكاناً تُناقش فيه القضايا الوطنية والفكرية والأدبية. كما ارتبط اسمه بالحراك السياسي في العراق خلال النصف الأول من القرن العشرين، إذ شهد اجتماعات ونقاشات كانت تمهد للعديد من المواقف الوطنية والاحتجاجات الشعبية.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن المقهى كان منطلقاً لعدد من التظاهرات التي شهدتها بغداد، ومنها الاحتجاجات المناهضة للاحتلال البريطاني وبعض الاتفاقيات والمعاهدات السياسية التي أثارت رفضاً شعبياً واسعاً، وفي مقدمتها مظاهرات التنديد بمعاهدة بورتسموث عام 1948.

منتدى دائم للثقافة والإبداع

كان الراحل محمد الخشالي، صاحب المقهى وأحد أبرز حراس ذاكرته التاريخية، يؤكد دائماً أن مقهى الشابندر يختلف عن غيره من المقاهي، لأنه لم يُبنَ ليكون مكاناً للتسلية أو الألعاب الشعبية، بل ليكون منتدى مفتوحاً للفكر والثقافة والفن والسياسة.

وكان الخشالي يرى أن أبواب المقهى ظلت مفتوحة أمام الجميع، من الأدباء والكتاب والباحثين والقراء إلى الفنانين والسياسيين وطلبة العلم، وهو ما منح المكان خصوصيته الثقافية وجعله مقصداً دائماً للمهتمين بالشأن الفكري في العراق.

وتزين جدران المقهى عشرات الصور النادرة التي توثق تاريخ بغداد وشخصياتها البارزة، حيث تضم صوراً لأدباء وفنانين وصحفيين ورجال دولة تركوا بصماتهم في الحياة العراقية. وتتحول هذه الصور بالنسبة للزائر إلى سجل بصري يوثق مراحل مختلفة من تاريخ البلاد.

كما احتضن المقهى على مدى عقود فعاليات ثقافية وفنية متنوعة، من بينها جلسات الشعر والندوات الفكرية وقراءات المقام العراقي التي كانت تشكل جزءاً من المشهد الثقافي البغدادي، قبل أن تؤثر الظروف الأمنية والسياسية التي مر بها العراق على استمرارية بعض هذه الأنشطة.

جرح التفجير الذي لم يُطفئ النور

تعرض مقهى الشابندر في عام 2007 إلى واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخه، عندما ضرب تفجير إرهابي شارع المتنبي، متسبباً بدمار واسع في المنطقة التاريخية وتضرر نحو 70 بالمئة من مبنى المقهى.

لكن الخسارة الأكبر لم تكن مادية فحسب، إذ فقد محمد الخشالي أربعة من أبنائه وحفيده في ذلك التفجير المروع، في مأساة هزت الشارع الثقافي العراقي بأكمله.

ورغم الفاجعة الإنسانية الكبيرة، رفض الخشالي الاستسلام للحزن أو إغلاق المقهى، مؤمناً بأن استهداف شارع المتنبي ومقهى الشابندر كان محاولة لضرب الثقافة العراقية وإيقاف عجلة الحياة الفكرية في البلاد.

وكان يردد أن الإرهابيين أرادوا إطفاء نور الثقافة كما أطفأوا نور أبنائه، إلا أن إرادة الحياة كانت أقوى من الدمار، فجرى ترميم المقهى وإعادة افتتاحه ليعود من جديد ملتقى للمثقفين ومحبي بغداد.

استراحة الأدباء والمفكرين

ويؤكد الشاعر كاظم عبد الله العبودي، أحد رواد المقهى منذ عقود طويلة، أن الشابندر يمثل استراحة ثقافية لأدباء العراق ومفكريه، ومكاناً يلتقي فيه أصحاب الأقلام والعقول الباحثة عن المعرفة والإبداع.

ويقول إن رواد المقهى لا يقصدونه لمجرد الجلوس أو احتساء الشاي، بل للبحث عن الفكر والحوار والإبداع العراقي الأصيل، مشيراً إلى أن المكان ظل عبر السنين منبراً حراً لتبادل الأفكار ومناقشة القضايا الأدبية والثقافية.

ويضيف أن المقهى احتفظ بمكانته رغم تغير الأزمنة وتعاقب الأجيال، وظل محافظاً على هويته الثقافية التي جعلت منه أحد أهم المعالم الفكرية في بغداد.

رمز للصمود الثقافي

اليوم، وبعد أكثر من قرن على تأسيسه، لا يزال مقهى الشابندر يحتفظ بمكانته الاستثنائية في الوجدان العراقي. فالمكان الذي شهد ولادة أفكار وحركات ثقافية ووطنية، ونجا من الحروب والتفجيرات والتقلبات السياسية، ما زال يستقبل زواره كل أسبوع في شارع المتنبي.

وبين صور الراحلين وأحاديث المثقفين وأكواب الشاي البغدادية، يواصل المقهى أداء دوره كأحد أبرز رموز الثقافة العراقية، وكمعلم تاريخي يجسد روح بغداد التي قاومت المحن وتمسكت بالحياة والإبداع مهما اشتدت الظروف.

ولهذا لم يعد مقهى الشابندر مجرد مقهى تراثي، بل أصبح رمزاً للصمود الثقافي العراقي وذاكرة حية تحفظ تاريخ بغداد وتحكي للأجيال قصة مدينة عرفت كيف تحافظ على هويتها رغم كل ما مر بها من تحديات.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *