تزخر العاصمة العراقية بغداد بالعديد من المعالم التاريخية والأثرية التي تركت بصمة واضحة في مختلف مجالات الحياة، وتُعدّ شوارعها القديمة، ولا سيما المتنبي والرشيد والمناطق المحيطة بهما، من أبرز الشواهد على هذا الإرث الحضاري العريق.
وعند التجول في هذه المناطق، غالباً ما يختتم الزائر جولته عند “مرطبات الحاج زبالة”، وهو أحد المحال التراثية الشهيرة في بغداد، حيث يتناول الزوار قدحاً من العصير الذي يُقدَّم بطريقة تقليدية مميزة توارثها القائمون عليه منذ أكثر من 120 عاماً، ليبقى جزءاً من ذاكرة المدينة وروحها القديمة.
في قلب بغداد القديمة، وعلى امتداد شارع الرشيد الشهير، يقع محل “مرطبات الحاج زبالة” الذي يُعد واحداً من أقدم وأشهر المحلات التجارية في العاصمة العراقية. وعلى الرغم من الاسم الذي يثير الاستغراب، فإن المحل استطاع أن يحقق شهرة واسعة داخل العراق وخارجه، بفضل مشروبه المميز وتوافد الزبائن إليه من مختلف الفئات الاجتماعية.

ولا يزال هذا المكان يحافظ على طابعه البغدادي التراثي الأصيل، إذ تزين جدرانه صور لشخصيات بارزة من ملوك ورؤساء ووزراء ومثقفين ومفكرين، ممن زاروا المحل عبر العقود لتذوق شرابه الشهير، ما جعله أشبه بمتحف حي يوثق جزءاً من تاريخ المدينة.
ويشير الحاج محمد عبد، نجل مؤسس المحل الحاج زبالة، إلى أن بداية هذا المشروع تعود إلى عام 1900، حيث تأسس أولاً في منطقة الكرخ، قبل أن ينتقل بعد نحو 12 عاماً إلى موقعه الحالي في شارع الرشيد، بالقرب من شارع المتنبي والمباني الحكومية القديمة مثل السراي ووزارة الدفاع وساعة القشلة وساحة الميدان، وهي مناطق كانت تمثل مركز بغداد التاريخي.

ويوضح أن الاسم الحقيقي لوالده هو “عبد الغفور”، لكن لقب “زبالة” ارتبط به منذ ولادته، نتيجة اعتقاد قديم كانت تتبعه والدته، التي كانت تسمي المواليد الذكور بهذا الاسم كنوع من التفاؤل ببقائهم على قيد الحياة، وهو تقليد شعبي كان شائعاً في تلك الفترة.
ويؤكد نجل المؤسس أن المحل استقبل عبر تاريخه الطويل عدداً كبيراً من الشخصيات البارزة، من ملوك ورؤساء ووزراء، بدءاً من الملك فيصل الأول وولي عهده الملك غازي، وصولاً إلى الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله، إضافة إلى رئيس الوزراء نوري السعيد، وكانت الملكة عالية أيضاً من الزبائن الدائمين حيث كانت ترسل من يشتري لها الشراب.
كما يذكر أن المحل شهد زيارات جميع رؤساء العراق في العهد الجمهوري، إلى جانب دبلوماسيين عرب وأجانب، وأدباء ومفكرين ورواد شارع المتنبي، فضلاً عن السياح الذين حرصوا على زيارته باعتباره جزءاً من تجربة بغداد الثقافية.
ويضيف أن من بين أبرز الزوار أيضاً الزعيم عبد الكريم قاسم، والملك المغربي محمد الخامس خلال زيارته للعراق عام 1960، وكذلك الرئيس الجزائري أحمد بن بلة في عام 1962.
كما يشير إلى أن المحل استقبل لاحقاً شخصيات سياسية بارزة مثل صدام حسين، والملك الأردني الحسين بن طلال، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات خلال القمة العربية في بغداد عام 1990، وكذلك الرئيس المصري حسني مبارك في العام نفسه.
ويختم حديثه موضحاً أن المشروب الذي يقدم في المحل هو عصير طبيعي يعتمد على الزبيب والسكر فقط دون أي إضافات صناعية أو نكهات، مع استخدام زبيب محلي من إقليم كردستان وأحياناً مستورد من دول آسيوية، ويباع الكأس بسعر بسيط جداً لا يتجاوز ألف دينار عراقي.

وبمرور أكثر من قرن، أصبح محل الحاج زبالة شاهداً على تحولات العراق السياسية والاجتماعية، ومقصداً لرواده الدائمين الذين ما زالوا يقصدونه حتى اليوم كجزء من الذاكرة البغدادية الحية.
ويرى بعض أصحاب المحال في شارع الرشيد أن هذا المشروب يمثل جزءاً من تقاليد الضيافة اليومية لديهم، بينما يؤكد رواد شارع المتنبي أن زيارة المنطقة لا تكتمل دون المرور بهذا المكان التاريخي وتذوق عصيره المعروف.
كما يشير العديد من الزوار، خصوصاً الشباب، إلى أن الاسم الغريب للمحل يثير فضولهم، لكنه يتحول لاحقاً إلى عنصر جذب يعكس قصة قديمة مرتبطة بتاريخ بغداد وعاداتها الاجتماعية.


لا يوجد تعليق