تحولت الأحجار الكريمة في بغداد من مجرد قطع للزينة والتحف إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية آخذة في الاتساع، تتداخل فيها المعتقدات الشعبية مع التفسيرات النفسية والعلمية. وبين من يؤمن بقدرتها على جلب الحظ وتحسين الصحة، ومن يشكك في تلك الادعاءات من منظور علمي، تظهر حاجة متجددة لدى الأفراد إلى الشعور بالطمأنينة في ظل ضغوط الحياة اليومية.
وشهدت الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في إقبال سكان بغداد على اقتناء الأحجار الكريمة، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على الهواة ومحبي التحف، بل شمل شرائح واسعة ترى فيها وسيلة لتحسين الحالة النفسية وربما الصحية، ما أسهم في خلق فرص اقتصادية جديدة في ظل التحديات المعيشية.

ومن بين المستفيدين من هذا الانتشار، رند، شابة بغدادية حولت شغفها بالأحجار الكريمة إلى مشروع منزلي يوفر لها دخلاً مستقراً. وتقول: “وجدت في هذا المجال فرصة رزق حقيقية، فالطلب مستمر، خاصة على أنواع مثل العقيق والجشمت”. وتوضح أن أسعار الأحجار تتراوح غالباً بين عشرة آلاف ومئة ألف دينار، وقد تتجاوز ذلك بحسب النوع والجودة. وتشير رند إلى أن النساء يفضلن الأساور والقلائد، فيما يميل الرجال إلى اقتناء الخواتم المرصعة بالأحجار، خصوصاً الفيروز.
وتروي رند أيضاً تجربة إحدى الزبونات التي قالت إنها شعرت براحة جسدية بعد اقتناء حجر اليشم، ووصفت التجربة بأنها “عافية”. غير أن هذه الحالات تطرح تساؤلاً حول ما إذا كان التأثير ناتجاً عن خصائص فعلية في الحجر، أم عن قناعة نفسية مسبقة تنعكس على الإحساس الشخصي.

وترى الباحثة الاجتماعية المختصة بعلم النفس رقية سلمان أن ما يعرف بـ”هوس الأحجار” يعكس حاجة إنسانية عميقة للشعور بالاستقرار، موضحة أن التعلق بهذه الأحجار يمنح الأفراد إحساساً بالأمان، حتى وإن لم يستند إلى أساس مادي، إذ يمثل شكلاً من الدعم النفسي في مواجهة ضغوط الحياة.
في المقابل، يقدم الدكتور علي النشمي تفسيراً علمياً ينفي وجود تأثير مادي مباشر للأحجار الكريمة، قائلاً: “ما يشعر به الإنسان عند النظر إلى الحجر هو استجابة دماغية طبيعية، فبعض الألوان أو انعكاسات الضوء قد تولد إحساساً بالراحة وتحفّز إفراز هرمونات مرتبطة بالسعادة، فيما قد تكون بعض الانطباعات الأخرى نتيجة تفاعلات حسية وكيميائية”.

ويؤكد النشمي أن “التأثير لا يكمن في الحجر نفسه، بل في طريقة تفاعل العقل معه”.
وتكشف هذه الظاهرة في مجملها عن تداخل واضح بين الموروث الشعبي والتفسير العلمي، إذ يواصل بعض البغداديين البحث عن الحظ والعافية في الأحجار الكريمة، بينما يراها آخرون انعكاساً لحاجة الإنسان المستمرة إلى الأمل، حتى وإن تجسد في قطعة حجر صغيرة.


لا يوجد تعليق