تُعد سينما الزوراء واحدة من أبرز المعالم السينمائية والتراثية في مدينة بغداد، إذ تمثل جزءًا مهمًا من تاريخ الحياة الثقافية في العراق خلال القرن العشرين. تقع السينما في منطقة المربعة على شارع الرشيد، أحد أشهر شوارع العاصمة العراقية وأكثرها ارتباطًا بذاكرة بغداد الحديثة. وعلى الرغم من تراجع دورها وتهالك مبناها في الوقت الحاضر، ما تزال سينما الزوراء شاهدة على مرحلة ازدهار الفن السابع في العراق.

نشأة السينما في بغداد وسينما الزوراء
بدأ انتشار دور السينما في بغداد خلال بدايات القرن العشرين، حيث أصبحت السينما سريعًا جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع العراقي. فلم تكن دور العرض مجرد أماكن لمشاهدة الأفلام، بل كانت فضاءات اجتماعية تجمع العائلات والطلاب والطبقات المختلفة.
كان يوم الخميس يُعد موعدًا تقليديًا لزيارة دور السينما، حيث اعتادت العائلات البغدادية والطلاب التوجه إلى المسارح ودور العرض لقضاء وقت ممتع ومتابعة أحدث الأفلام العالمية.
في هذا السياق ظهرت سينما الزوراء، التي شُيّدت عام 1937، وكانت من المباني السينمائية المميزة في بغداد. وقد تأثر تصميمها بالأساليب المعمارية الأوروبية، وخاصة العمارة الألمانية، مما منحها طابعًا فريدًا بين المباني الثقافية في المدينة.
عصر الازدهار والعروض السينمائية
خلال فترة نشاطها، اشتهرت سينما الزوراء بعرض الأفلام والمسلسلات السينمائية الشهيرة، ومن بينها عروض فلاش جوردون التي جذبت جمهورًا واسعًا في ذلك الوقت. كانت القاعات السينمائية تمثل نافذة للعراقيين على العالم الخارجي، حيث يتعرفون من خلالها على ثقافات وقصص وأساليب فنية مختلفة.
وبالقرب من مدخل السينما كان يوجد مقهى الملا حمادي، الذي كان يقدم القهوة وأجواء الترفيه لرواد السينما والطلاب. كما كانت السينما قريبة من مقهى البرازيلي، أحد المقاهي المعروفة في بغداد، ما جعل المنطقة المحيطة بها مركزًا للنشاط الثقافي والاجتماعي.

العمارة والتصميم: مبنى يحاكي عالم السينما
تميز مبنى سينما الزوراء بتصميم معماري يحمل طابعًا خياليًا مرتبطًا بعالم الأفلام. فقد صُممت واجهتها الخارجية بزخارف وأشكال غير تقليدية تهدف إلى خلق إحساس بأن الزائر يدخل عالمًا مختلفًا، عالمًا يجمع بين الواقع والخيال السينمائي.
ورغم عدم وجود معلومات مؤكدة حول اسم المصمم، تشير بعض المصادر إلى احتمال ارتباط التصميم بالمهندس المعماري نعمان منيب المتولي، الذي شارك في تصميم والإشراف على عدد من المباني المهمة في بغداد خلال تلك الفترة.
تراجع السينما وإهمالها
شهد قطاع السينما في العراق تراجعًا كبيرًا بعد حرب الخليج والعقوبات الدولية التي فُرضت على البلاد، إذ تأثر استيراد الأفلام وتوقف إنتاج العديد من الأعمال السينمائية المحلية. ومع مرور الوقت فقدت سينما الزوراء دورها الثقافي، وأصبحت قاعاتها مهجورة، كما تعرضت معداتها للتلف وأصبحت غير صالحة للاستخدام.
وبقيت السينما واحدة من الشواهد القليلة المتبقية على عصر دور السينما القديمة في بغداد، إلى جانب دور عرض تاريخية أخرى مثل سينما روكسي. وعلى عكس بعض المباني الثقافية الأخرى في شارع الرشيد التي تحولت إلى محلات تجارية، احتفظ مبنى سينما الزوراء بطابعه المرتبط بالفن والثقافة، وإن كان قد تحول لاحقًا إلى مسرح.

سينما الزوراء اليوم
في الوقت الحالي، تعاني بناية سينما الزوراء من الإهمال والتدهور، وأصبحت غير صالحة للعمل بسبب مرور الزمن وغياب مشاريع الترميم والصيانة. ومع ذلك، ما تزال قيمتها التاريخية والمعمارية قائمة باعتبارها جزءًا من ذاكرة بغداد الثقافية.
إن الحفاظ على سينما الزوراء لا يرتبط فقط بترميم مبنى قديم، بل يمثل حماية لجزء من تاريخ المدينة وتطور الثقافة السينمائية العراقية. فهي ليست مجرد دار عرض مهجورة، بل رمز لفترة كانت فيها السينما عنصرًا أساسيًا في الحياة الاجتماعية والفنية في بغداد.
خاتمة
تمثل سينما الزوراء صفحة مهمة من تاريخ السينما العراقية، إذ جمعت بين العمارة المميزة والحياة الثقافية النشطة في بغداد القديمة. ورغم حالتها الحالية الصعبة، تبقى هذه السينما شاهدًا على زمن ازدهرت فيه الفنون، وعلى أهمية الحفاظ على التراث الحضاري للمدن.


لا يوجد تعليق