يُعد جامع المرادية، المعروف أيضاً باسم “جامع الميدان”، واحداً من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في العاصمة العراقية بغداد، ومن أشهر المساجد التي شُيدت خلال العهد العثماني. يقع الجامع في محلة الميدان بمنطقة باب المعظم على جانب الرصافة، مقابل مبنى وزارة الدفاع وبالقرب من المكتبة الوطنية، وقد أمر بإنشائه الوالي العثماني مراد باشا سنة 1571م (978هـ)، ليصبح على مدى أكثر من أربعة قرون أحد أهم الشواهد الحية على ازدهار العمارة الإسلامية في بغداد.
ويحظى الجامع بمكانة خاصة بين مساجد المدينة لما يتمتع به من قيمة تاريخية وفنية ومعمارية كبيرة، إذ جمع بين متانة البناء وروعة التصميم ودقة الزخارف. وقد وصفه المؤرخ العراقي محمود شكري الألوسي بأنه “مفخرة بغداد”، نظراً لما يمثله من نموذج متكامل للفن المعماري الإسلامي في العصر العثماني. كما شهد الجامع عدداً من أعمال الصيانة والترميم للحفاظ على طابعه التراثي، كان من أبرزها أعمال الترميم التي أُنجزت عام 2009.
تصميم معماري متقن
يشغل جامع المرادية مساحة تقارب 1899 متراً مربعاً، ويتوسطه بيت صلاة مستطيل الشكل تبلغ أبعاده نحو 51 متراً طولاً و40 متراً عرضاً. ويتميز المصلى الداخلي بأربعة أعمدة رخامية ضخمة قسمت الفضاء إلى ثلاث بلاطات رئيسية عمودية على جدار القبلة، تتوسطها بلاطة المحراب التي يبلغ عرضها نحو عشرة أمتار، بينما يبلغ عرض كل من البلاطتين الجانبيتين أربعة أمتار.
وتعلو الأعمدة تيجان مخروطية ناقصة تُعد من السمات المعمارية المميزة لمساجد بغداد في العصر العثماني، فيما ترتكز فوقها عقود مدببة منحت البناء توازناً إنشائياً وجمالياً في آن واحد. وقد أظهر المعمار براعة لافتة في معالجة الانتقال الهندسي من الشكل المربع إلى المثمن ثم إلى الدائرة اللازمة لحمل القبة الرئيسية، مستعيناً بالمثلثات الكروية والمقرنصات المتدرجة التي تُعد من أجمل عناصر العمارة والزخرفة الإسلامية.
ويعكس هذا التصميم المتقن مدى التطور الذي بلغته العمارة الإسلامية في بغداد خلال القرن السادس عشر، حيث نجح البناؤون في الجمع بين الوظيفة الإنشائية والجمال الفني ضمن منظومة معمارية متكاملة.
سبع قباب تزين بيت الصلاة
يتميز جامع المرادية بنظام إنشائي متطور لتغطية بيت الصلاة، يعتمد على سبع قباب متفاوتة الأحجام تتصدرها القبة الرئيسية الواقعة فوق المحراب. ويبلغ قطر هذه القبة نحو عشرة أمتار، فيما يزيد ارتفاعها على عشرة أمتار، وقد صُممت على هيئة نصف كرة، وهو طراز شائع في العمارة العراقية الإسلامية.
ولا تقتصر أهمية القبة الرئيسية على حجمها الكبير فحسب، بل تعكس أيضاً مستوى متقدماً من الخبرة الهندسية في ذلك العصر، إذ استطاع المعمار تحقيق التوازن بين الاتساع الداخلي والمتانة الإنشائية. وإلى جانبها تتوزع ست قباب أصغر فوق البلاطتين الجانبيتين، بواقع ثلاث قباب لكل جهة، لتشكل مع القبة المركزية منظومة معمارية متناغمة تضفي على فضاء الجامع هيبة وجمالاً.
كما زُينت مناطق الانتقال بين العقود والقباب بمقرنصات متدرجة ذات مستويات متعددة، وهو ما منح بعض القباب شكلاً مسنناً يشبه حواف الأواني الخزفية الصينية، الأمر الذي دفع بعض الباحثين والمهتمين بالعمارة الإسلامية إلى تسميتها بـ”القباب الصينية”.
مئذنة بطراز بغدادي أصيل
تُعد مئذنة جامع المرادية من أبرز عناصره المعمارية وأكثرها تميزاً، إذ تقع في الركن الشمالي الغربي من الجامع وتمثل نموذجاً واضحاً للطراز البغدادي التقليدي الذي حافظ على هويته المعمارية الموروثة منذ العصر العباسي، بعيداً عن التأثيرات العثمانية التي ظهرت في مآذن مناطق أخرى من العالم الإسلامي.
وتتميز المئذنة ببدنها الأسطواني المرتفع المغطى ببلاطات خزفية ملونة بألوان زاهية ومتناسقة، تتخللها زخارف نباتية دقيقة تمثل مزهريات وسلالاً تتدفق منها الأغصان والأزهار. وقد أسهم هذا التنوع الزخرفي في منح المئذنة طابعاً جمالياً فريداً جعلها واحدة من أجمل مآذن بغداد وأكثرها شهرة بين الباحثين والمهتمين بالتراث العمراني.

قيمة تاريخية وتراثية
لا تقتصر أهمية جامع المرادية على كونه مكاناً للعبادة، بل يمثل معلماً تاريخياً وثقافياً بارزاً يجسد جانباً مهماً من تاريخ بغداد العمراني والحضاري. فمنذ تأسيسه في القرن السادس عشر وحتى اليوم، ظل الجامع شاهداً على مراحل متعددة من تاريخ المدينة، محافظاً على مكانته بوصفه أحد أبرز المعالم التراثية التي تعكس عراقة بغداد وثراء فنونها المعمارية الإسلامية.
وبفضل ما يتمتع به من قيمة تاريخية وفنية وهندسية، يظل جامع المرادية واحداً من أهم الجوامع التاريخية في العراق، ونموذجاً مميزاً لازدهار العمارة الإسلامية خلال العهد العثماني، ورمزاً من رموز الهوية الحضارية لمدينة بغداد الممتدة جذورها عبر القرون.


لا يوجد تعليق