أول متحف ذكي في بغداد يعيد إحياء الأرشيف العثماني بلغة رقمية تفاعلية

14
متحف في بغداد

أول متحف ذكي في بغداد


في أحد صباحات شارع المتنبي، حيث تمتزج رائحة الكتب القديمة بحركة الزائرين، يفتح المركز الثقافي أبوابه أمام تجربة جديدة في بغداد: أول متحف ذكي يعيد تقديم الأرشيف العثماني بلغة رقمية حديثة تعتمد على الشاشات التفاعلية والتقنيات الرقمية.

ويحتضن المبنى المطل على نهر دجلة، والذي كان في السابق كلية عسكرية عثمانية لتخريج الضباط، مشروعًا ثقافيًا يعيد إحياء الذاكرة التاريخية بأسلوب معاصر، حيث يتحول الإرث القديم إلى محتوى رقمي تفاعلي يتيح للزائر استكشاف الوثائق والخرائط بطريقة مبتكرة.

ولم يكن اختيار الموقع عشوائيًا، إذ يرتبط المركز الثقافي في شارع المتنبي بتاريخ عثماني واضح، ليُعاد توظيفه اليوم في عرض أرشيف العراق العثماني بأسلوب حديث يجمع بين التكنولوجيا والذاكرة التاريخية، ويقدم التجربة بشكل مختلف عن الأرشيف التقليدي.

كلية عسكرية عثمانية

يقول حيدر العبد، مؤسس المتحف الذكي وأحد العاملين في المركز الثقافي، وهو يتنقل بين الشاشات متابعًا تفاعل الزائرين: «بدأت الفكرة من سؤال بسيط: لماذا يبقى تاريخنا محصورًا في الكتب؟ ولماذا لا نقدمه بطريقة تصل إلى الجيل الجديد وتخاطبه بلغته؟».

يعرف حيدر جيدًا طبيعة المكان وما يضمه من أرشيف ووثائق، لكنه اختار أن ينقل هذا المحتوى من الإطار التقليدي إلى فضاء أكثر حداثة وانفتاحًا.

المتحف الذكي، وهو الأول من نوعه في العراق، يركّز بشكل أساسي على أرشيف العراق في العهد العثماني، بما يشمله من وثائق رسمية، ومراسلات، وأوامر إدارية، وصور، ومداولات كانت تُدار بين بغداد وإسطنبول، حيث تُعرض اليوم بصيغة رقمية تتيح للزائر تصفحها وتكبيرها والاطلاع على تفاصيلها دون المساس بالأصول الورقية الحساسة.

ويقول العبد أثناء تشغيل إحدى الشاشات: «لدينا وثائق مهمة وكبيرة، وبعضها يُعرض للمرة الأولى بهذا الشكل».

ويضيف أن من بين المعروضات «مراسلات توضح كيفية إدارة بغداد في تلك المرحلة، وطبيعة علاقتها بالإدارة المركزية في الدولة العثمانية».

ولا يقتصر العرض على الوثائق فقط، إذ يضم المتحف صورًا نادرة لضباط عثمانيين تخرجوا من الكلية نفسها، إضافة إلى صور لقادة عثمانيين وعراقيين، ومواد بصرية توثق الحياة العسكرية والإدارية في تلك الحقبة.

وبتقنيات العرض الذكي، يمكن للزائر التنقل بين الشخصيات والأحداث وربط الوثائق بالصور والسياق التاريخي بشكل تفاعلي.

ويكمن الاختلاف الأساسي في هذه التجربة في إعادة تعريف مفهوم العرض الأرشيفي، إذ لا تُقدَّم الوثيقة كمادة جامدة مخصصة للباحثين فقط، بل كمدخل لفهم مرحلة تاريخية كاملة من تاريخ العراق، عبر ربط النص بالصورة والسياق السياسي والعسكري للعهد العثماني.

بالنسبة لزائري هذا المتحف الذكي، يتحول الأرشيف إلى تجربة سردية تفاعلية أكثر من كونه مواد محفوظة خلف الزجاج.

وتقول سارة عبد الله، طالبة جامعية: «لم أكن أتوقع أن أستمتع بمشاهدة الأرشيف، لكن التفاعل مع الوثائق والصور جعلني أشعر وكأنني أعيش التاريخ بنفسي».

ويقول أيمن جاسم، موظف في إحدى الدوائر الحكومية: «أعجبتني فكرة الربط بين الصور والمراسلات والخرائط الرقمية، فهي تجعل فهم التاريخ أسهل وأكثر تشويقًا».

بينما تضيف ليلى محمد، إحدى زائرات المتحف: «التقنيات الذكية أعادتني خطوة إلى الوراء لأتخيل حياة الضباط والقادة العثمانيين، وكأنني أتجول معهم بين الوثائق».

يقول حسن علي، بائع كتب وباحث في التاريخ العراقي في شارع المتنبي: «أنا أتعامل مع الكتب والوثائق منذ سنوات، لكن رؤية الأرشيف بهذه الطريقة الرقمية يفتح آفاقًا جديدة. الفكرة ممتازة، خاصة للشباب الذين لا يملكون الوقت للتعمق في الكتب القديمة».

ويعمل المتحف على كسر النمط التقليدي الذي اعتاده زوار المركز الثقافي لسنوات، حيث كان الأرشيف يُعرض سابقًا عبر الكتب والمجلدات والملفات الورقية.

أما اليوم، فتُقدَّم المادة نفسها عبر شاشات تفاعلية وتقنيات رقمية تتيح للزائر التنقل بين الوثائق، وتكبير تفاصيلها، والاطلاع على المراسلات والصور مباشرة دون وسيط. هذا التحول لا يحمي الأرشيف من التلف فحسب، بل يوسّع دائرة الوصول إليه ويمنحه حياة جديدة خارج الإطار الأكاديمي التقليدي.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *