عباس جميل.. موسيقار عراقي خلّد الأغنية البغدادية ولحّن نحو 400 أغنية

Views
عباس جميل يعزف على العود خلال إحدى حفلاته

يظهر الموسيقار العراقي عباس جميل وهو يعزف على العود.


يُعد عباس جميل واحداً من أبرز الأسماء التي أسهمت في صناعة الأغنية العراقية وتطوير لونها الشعبي خلال القرن العشرين، إذ امتدت مسيرته الفنية لنحو نصف قرن، قدّم خلالها قرابة 400 لحن، تميز معظمها بروحها البغدادية المحلية، وبقي عدد كبير منها حاضراً في ذاكرة العراقيين حتى اليوم.

ولم يقتصر حضور عباس جميل على تلحين الأغاني، بل ارتبط اسمه بأجيال متعاقبة من المطربين العراقيين، من بينهم زهور حسين ووحيدة خليل وعفيفة إسكندر وسليمة مراد، إلى جانب عدد كبير من فناني الأغنية الريفية والشعبية.

من كربلاء إلى بغداد.. البدايات والنشأة

ولد عباس جميل قمر الشيخلي، المعروف فنياً باسم عباس جميل، في مدينة كربلاء في الأول من يوليو/تموز 1927.

انتقلت عائلته بعد ولادته إلى بغداد، واستقرت في منطقة باب الشيخ بجانب الرصافة، حيث أمضى طفولته وشبابه، وتكوّنت لديه منذ وقت مبكر علاقة وثيقة بالبيئة البغدادية التي انعكست لاحقاً على أسلوبه الموسيقي وألحانه.

فقد عباس جميل والده عندما كان في العاشرة من عمره، ثم توفيت والدته بعد نحو سبعة أعوام، لكنه واصل دراسته، قبل أن يلتحق بالجيش العراقي في أربعينيات القرن الماضي.

وعمل في الكلية العسكرية معلماً للرياضة واللياقة البدنية، وهي الوظيفة التي شكّلت مرحلة مهمة في حياته قبل أن ينتقل تدريجياً إلى عالم الموسيقى والفن.

دراسة الموسيقى والتأثر بالمقام العراقي

درس عباس جميل في مدرسة المؤمنية الأساسية بمنطقة الميدان في بغداد خلال الفترة الممتدة بين عامي 1936 و1945، ثم واصل مسيرته التعليمية بالتزامن مع عمله في الجيش.

وفي الفترة بين 1953 و1960، درس بصورة متقطعة في معهد الفنون الجميلة بقسم الموسيقى في بغداد، وهناك تلقى علوم الموسيقى على يد مجموعة من أبرز أساتذة العراق، بينهم منير بشير وروحي الخماش وسلمان شكر ومحيي الدين حيدر.

وخلال دراسته، تعلّم قراءة وكتابة النوتة الموسيقية والعزف على آلة العود، التي أصبحت إحدى أبرز أدواته الفنية.

كما تأثر عباس جميل بالمقام العراقي ورواده، وفي مقدمتهم محمد القبنجي ورشيد القندرجي، فيما تأثر على المستوى العربي بأعمال الموسيقار محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.

ولم تكن الموسيقى وحدها مجال عمله، إذ مارس التصوير الفوتوغرافي أيضاً، وامتلك في أواخر خمسينيات وبدايات ستينيات القرن الماضي محلاً للتصوير في منطقة باب المعظم، بالقرب من مبنى وزارة الدفاع القديمة.

عباس جميل.. من الجيش إلى عالم الفن

كانت تجربته في الجيش نقطة تحول مهمة في مسيرته الفنية، خصوصاً بعد أن قرر رئيس الوزراء في العهد الملكي نوري السعيد نقل خدماته من الكلية العسكرية إلى قسم موسيقى الجيش التابع لوزارة الدفاع.

وبعد ذلك، شُجع عباس جميل على التقاعد من الجيش والتفرغ للموسيقى، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية، ويشق طريقه بين كبار الملحنين والفنانين العراقيين.

وكان من أوائل الفنانين العراقيين الذين شاركوا في إقامة حفلات ترفيهية للجنود العراقيين الذين توجهوا إلى فلسطين عام 1948.

وفي تلك الفترة، أسس فرقة فنية لتقديم عروض موسيقية وترفيهية للجنود، بإشراف عدد من الضباط، ومن بينهم الضابط المتقاعد والشاعر منيب الذويب.

وكتب الذويب أول أغنية وطنية لجميل بعنوان “روح الشهيد”، التي انتشرت بين الجنود وأصبحت تُغنى في ساحات القتال في فلسطين، لتشكل إحدى المحطات المبكرة في مشواره مع التلحين.

الأغنية الوطنية بعد ثورة 1958

شهدت الأغنية العراقية تحولاً واضحاً بعد ثورة يوليو/تموز 1958، إذ اتجه عدد من الملحنين نحو تقديم الأغنية الوطنية إلى جانب الأغنية العاطفية.

وفي تلك المرحلة، قدم عباس جميل مجموعة من الأعمال الوطنية، من بينها “صوت الشعب يا جيشنا” و**”يناديك ذخر للعرب”** و**”فتحنا باب الحرية”**، ليصبح أحد الأسماء التي شاركت في ترسيخ الأغنية الوطنية العراقية خلال تلك الفترة.

وظائف عباس جميل ومسؤولياته الفنية

إلى جانب نشاطه الموسيقي، شغل عباس جميل عدداً من الوظائف والمناصب التعليمية والفنية خلال حياته.

فقد عمل معلماً وضابط صف في الكلية العسكرية خلال الفترة من 1940 إلى 1951، ثم عمل مدرساً للرياضيات واللغة العربية واللغة الإنجليزية في عدد من المدارس الابتدائية بين عامي 1960 و1970.

بعد ذلك، انتقل إلى العمل مشرفاً تربوياً في وزارة التربية، ثم عمل مدرساً في معهد الفنون الجميلة بقسم الموسيقى.

وخلال ثمانينيات القرن العشرين، تولى الإشراف على فرقة الإذاعة والتلفزيون، كما عُيّن مديراً لفرقة الرافدين الموسيقية التابعة لوزارة الثقافة.

وكان كذلك عضواً في اللجنة الوطنية للموسيقى العراقية، وعمل أستاذاً في معهد الدراسات الموسيقية بين عامي 1984 و1986.

وفي عام 1990، أصبح عضواً في اللجنة العليا للموسيقى، كما شارك في اللجنة الاستشارية لبيت المقام العراقي حتى وفاته.

عباس جميل وزهور حسين.. ثنائي صنع ذاكرة الأغنية العراقية

من أبرز محطات مسيرة عباس جميل الفنية تعاونه مع المطربة العراقية الراحلة زهور حسين، إذ شكلا واحداً من أشهر الثنائيات الفنية في تاريخ الأغنية العراقية.

تعرّف جميل على زهور حسين في دار الإذاعة العراقية خلال أواخر أربعينيات القرن الماضي، وقدم لها عشرات الألحان التي تحولت إلى أعمال راسخة في الذاكرة العراقية.

ومن أشهر الأغاني التي لحنها لها:

  • “أني اللي أريد أحجي”
  • “غريبة من بعد عينج يا يمه”
  • “يا أم عيون حراكة”
  • “جيت لأهل الهوى”
  • “هله وكل الهلا”
  • “سلمة يا سلامة”
  • “تعال أكعد وره الباب”
  • “على بالي”
  • “تحاسبني على الأيام”
  • “حلو حلو هواية حلو”

وبلغ عدد الأغاني التي لحنها عباس جميل لزهور حسين نحو 60 أغنية.

وكان آخر نص لحّنه لها أغنية “وين ابن الحلال الشاف محبوبي” من كلمات الشاعر عبد الكريم العلاف، إلا أن زهور حسين لم تتمكن من أدائها بعد وفاتها المفاجئة عام 1964.

ألحان لوحيدة خليل وعفيفة إسكندر وسليمة مراد

لم تتوقف تجربة عباس جميل عند زهور حسين، فقد تعاون مع عدد كبير من المطربين والمطربات العراقيين.

ولحّن للمطربة الراحلة وحيدة خليل مجموعة من الأعمال، من بينها “على بالي أبد ما جان فركاك” و”جا وين أهلنا” و”عين بعين على الشاطي تلاكينه” و”عليمن يا قلب تعتب عليمن” و”منين أبديلك” و”بسكوت أون بسكوت”.

كما قدم ألحاناً للمطربة الراحلة عفيفة إسكندر، بينها “لا تمشي ورا اللي يضحكك” و”على عنادك لحبهم” و”أحرك أفادك”.

ولحّن أيضاً للمطربة سليمة مراد، زوجة الفنان الراحل ناظم الغزالي، أغنية “يا يمه ثاري هواي”.

بصمة في الأغنية الريفية العراقية

امتدت ألحان عباس جميل إلى الأغنية الريفية العراقية، حيث تعاون مع عدد من أبرز أصواتها.

ومن أشهر أعماله في هذا اللون، لحن أغنية “يا طبيب صواب دلالي كلف” للمطرب الراحل داخل حسن، وهي من كلمات جبوري النجار.

كما لحّن للمطرب الريفي الراحل صاحب شراد أغنية “القلب طاب صوابه”.

ومن أعماله اللافتة أيضاً أغنية “الما يزور السلمان، عمره خسارة” التي قدمها مطرب المربعات فاضل رشيد، واشتهرت على نطاق واسع حتى أصبحت تُردد بين طلاب المدارس خلال الرحلات المدرسية.

ألحان لأجيال متعاقبة من الفنانين

واصل عباس جميل حضوره في المشهد الغنائي العراقي مع ظهور أجيال جديدة من الفنانين.

فقد لحّن لعدد من المطربين والمطربات، بينهم لميعة توفيق وأنصاف منير وأحلام وهبي وعزيمة توفيق.

وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تعاون مع أسماء بارزة مثل سعدي الحلي وسعدون جابر وغادة سالم وأمل خضير وفؤاد سالم ونسيم عودة وأحمد نعمة، الذي كان أحد تلاميذه في معهد الدراسات الموسيقية.

كما قدم ألحاناً للمطربين شهيد كريم ومقصد الحلي، إلى جانب مجموعة من الأعمال لفرقة الإنشاد الوطنية، من بينها “يا روابي اشهدي”.

وكان آخر نص لحّنه عباس جميل لنفسه أغنية “يا خالقي”، وهي أغنية دينية قدمها عام 2002.

عباس جميل والسينما العراقية

كان للموسيقار عباس جميل حضور أيضاً في السينما العراقية، إذ لحّن أول أغنية للمطربة الكبيرة مائدة نزهت بعنوان “جاني من حسن مكتوب”، ضمن فيلم “الدكتور حسن” الذي أنتج عام 1954.

ولم يتوقف تعاونه معها عند هذا العمل، إذ قدم لها ألحاناً أخرى، من بينها “حلم أخضر” و”العيون” و”يا كاتم الأسرار”.

جوائز وأوسمة تقديراً لمسيرته

حصل عباس جميل خلال مسيرته على عدد من الجوائز والألقاب تقديراً لإسهاماته في الموسيقى والأغنية العراقية.

ومن أبرزها:

  • لقب “عميد الأغنية العراقية” من نقابة الفنانين العراقيين عام 1991.
  • لقب “موسيقار” من الجامعة العربية خلال حفل أقيم في القاهرة عام 1998.
  • جائزة الإبداع الموسيقي والغنائي في مهرجان بابل عام 2000.
  • درع ديوان الشرق والغرب من فرنسا عام 2004.
  • إلى جانب العديد من الشهادات التقديرية الأخرى.

وفاة عباس جميل

بعد مسيرة فنية امتدت لنحو نصف قرن، توفي عباس جميل في بغداد يوم 3 يناير/كانون الثاني 2006، عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض.

ودُفن في مقبرة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان شمالي بغداد.

وبقي إرثه الموسيقي حاضراً بعد رحيله، ليس فقط من خلال مئات الألحان التي تركها، وإنما عبر أغنيات ارتبطت بذاكرة أجيال من العراقيين، وأسهمت في ترسيخ اللون البغدادي والشعبي ضمن مسيرة الأغنية العراقية الحديثة.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *