يُعدّ عبد الرزاق عبد الواحد واحداً من أبرز الأصوات الشعرية العراقية في العصر الحديث، وأكثر الشعراء ارتباطاً بالعراق في الذاكرة العربية المعاصرة. ففي قصائده حضرت بغداد، والنخيل، ودجلة، والفرات، والحروب، والمنفى، والفراق، لتتحول تجربة الشاعر الشخصية إلى صورة واسعة من وجع العراق وحنينه إلى وطنه.
ولم يكن العراق في شعر عبد الرزاق عبد الواحد مجرد مكان، بل كان ذاكرةً وهويةً وطفولةً وبيتاً وأبناءً ومدينةً لا يستطيع الشاعر الابتعاد عنها حتى وهو بعيد عنها. ولهذا تبدو قصائده، ولا سيما «سلام على بغداد» و«من لي ببغداد؟» و«يا صبر أيوب»، أقرب إلى سيرة شعرية لوطن عاش الحروب والانقسامات والمنفى.
وقد تناولت مصادر ثقافية وأدبية عدة تجربة عبد الواحد، وأشارت إلى ارتباط شعره بتاريخ العراق وحروبه وتحولاته السياسية والاجتماعية، حتى أطلق عليه بعضهم لقب «المتنبي الأخير».

من هو عبد الرزاق عبد الواحد؟
وُلد عبد الرزاق عبد الواحد في بغداد في الأول من يوليو عام 1930، وانتقلت أسرته بعد ذلك إلى محافظة ميسان، حيث عاش جانباً من طفولته وشبابه قبل أن يعود إلى بغداد لاستكمال دراسته. وتخرج عام 1952 من دار المعلمين العالية، ثم عمل في مجال التعليم، قبل أن يكرس جانباً كبيراً من حياته للأدب والشعر.
ارتبط اسمه بالشعر العراقي والعربي لعقود طويلة، وصدرت له مجموعات شعرية عديدة، كما تُرجمت أعمال من شعره إلى لغات مختلفة وحصل على عدد من الجوائز والأوسمة خلال مسيرته الأدبية.
وفي سنواته الأخيرة، عاش خارج العراق، واستقر فترة في دمشق ثم عمّان، قبل أن ينتقل إلى باريس، حيث توفي في 8 نوفمبر 2015 عن عمر ناهز 85 عاماً.
لماذا يحتل العراق مكانة خاصة في شعر عبد الرزاق عبد الواحد؟
من الصعب قراءة شعر عبد الرزاق عبد الواحد بمعزل عن العراق. فقد ارتبطت تجربته الشعرية بالأحداث الكبرى التي مر بها البلد، من الحروب إلى الحصار ثم الغزو وما تبعه من تحولات عميقة.
وتظهر في قصائده صور النخيل والأنهار والبيوت القديمة وشوارع بغداد، إلى جانب صور الحرب والموت والفقدان. ولذلك فإن الشعر عند عبد الرزاق عبد الواحد يتحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة لاستعادة الوطن.
وتصف دراسات ومصادر أدبية تجربته بأنه شاعر ارتبط بانتصارات العراق وكبوته، واستمد كثيراً من صوره الشعرية من نخيل العراق وآثار سومر وبابل.

«سلام على بغداد».. قصيدة الوداع والحنين
من أشهر قصائد عبد الرزاق عبد الواحد «سلام على بغداد»، وهي من أكثر النصوص التي تكشف عمق العلاقة بين الشاعر ومدينة بغداد.
في القصيدة لا يتحدث الشاعر عن بغداد باعتبارها مدينة فحسب؛ بل يستعيد معها سنوات عمره، وأبناءه، وذكرياته، وأوجاعه، ومسيرة قصائده. ويظهر ذلك بوضوح في مطلعها:
كبيرٌ على بغداد أني أعافُها
وأني على أمني لديها أخافُهاكبيرٌ عليها، بعدما شابَ مفرقي
وجفّتْ عروقُ القلبِ حتى شغافُها
ثم يستعيد علاقته بالنهر والنخيل وأبنائه، قبل أن يصل إلى صورة بغداد التي أنهكها الحزن:
سلامٌ على بغداد شاختْ من الأسى
شناشيلُها.. أبلامُها.. وقفافُها
وتشير مصادر الشعر التي تنشر القصيدة إلى أن «سلام على بغداد» أصبحت من أشهر النصوص المرتبطة بتجربة عبد الواحد مع الفراق عن وطنه.
بغداد في ذاكرة الشاعر
ما يمنح القصيدة قوتها ليس الحزن وحده، وإنما المزج بين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية. فبغداد التي يستعيدها الشاعر هي بغداد الطفولة والأسرة والنهر والنخيل، لكنها في الوقت نفسه بغداد التي أنهكتها السنوات والحروب.
ولهذا تبدو القصيدة أقرب إلى رسالة وداع طويلة، لا يستطيع الشاعر فيها أن يلوم بغداد؛ لأنه يرى نفسه جزءاً منها، كما يقول:
سلامٌ على بغداد.. لستُ بعاتبٍ عليها،
وأنّى لي، وروحي غلافُها؟

«من لي ببغداد؟».. حين يصبح الحنين وجعاً
إذا كانت «سلام على بغداد» قصيدة وداع، فإن «من لي ببغداد؟» تمثل الجانب الأكثر ألماً من الحنين إلى المدينة.
ويبدأ الشاعر القصيدة بصورة مكثفة تختصر تجربته كلها:
دَمعٌ لِبغداد.. دَمعٌ بالمَلايينِ
مَن لي ببغداد أبكيها وتَبكيني؟
ثم يربط بين بغداد والشعر، وكأن فقدان المدينة يعني فقدان القدرة على الكتابة نفسها:
والشِّعرُ بغداد، والأوجاعُ أجمَعُها
فانظُرْ بأيِّ سِهامِ المَوتِ تَرميني؟
وقد نشرت مصادر شعرية متعددة نص القصيدة، بينما وثقت الجزيرة نت إلقاء عبد الواحد لها خلال إحدى أمسياته الشعرية، حيث لقيت استحسان الجمهور وقوطعت بالتصفيق.
«يا صبر أيوب».. العراق في صورة الجمل
ومن القصائد اللافتة في تجربة عبد الرزاق عبد الواحد «يا صبر أيوب»، التي كتبها عام 1992 واستند فيها إلى حكاية شعبية عراقية عن مِخرز نُسي تحت حمولة جمل.
ويستخدم الشاعر هذه الحكاية باعتبارها صورة رمزية لمعاناة العراق؛ فالجمل يواصل السير رغم الألم، كما يواصل العراقيون تحمل الأزمات والحروب.
ومن أشهر أبياتها:
قالوا وظل.. ولم تشعر به الإبل
يمشي، وحاديه يحدو.. وهو يحتملصبر العراق صبور أنت يا جمل!
وصبر كل العراقيين يا جمل
وتؤكد مصادر الشعر أن القصيدة ارتبطت في سياقها بمعاناة العراق خلال حرب الخليج الثانية، وأن صورة «المخرز» أصبحت رمزاً للألم المستمر الذي لا يمنع العراق من مواصلة السير.
قصائد عبد الرزاق عبد الواحد عن الفراق والمنفى
لم يقتصر وجع عبد الرزاق عبد الواحد على الوطن وحده، بل امتد إلى الأسرة والفراق ورحيل الأبناء.
في إحدى قصائده يتأمل الشاعر البيت الذي كان ممتلئاً بالأبناء ثم أصبح خالياً، مستحضراً خوف الإنسان من أن يبني ويزرع ويحب، ثم يأتي يوم لا يجد فيه من شاركه تلك الحياة.
وفي قصيدة «لا تطرق الباب» تتكثف فكرة الرحيل في بيت شديد الاختزال:
لا تطرق الباب تدري أنهم رحلوا
خذ المفاتيح وارحل أيها الرجل
أما في قصيدة «حنين النوق»، فيتجه الخطاب إلى زوجته أم خالد، حيث يستعيد الاثنان ذكريات الماضي ويواجهان احتمال الفراق:
وحيدين نبقى أم خالد ههنا
نَحِنُّ حنينَ النوقِ للزمن الخالي
وهكذا يتسع مفهوم الفراق في شعره: فهناك فراق الوطن، وفراق الأبناء، وفراق المكان، وأخيراً فراق الإنسان لمن أحب.

عبد الرزاق عبد الواحد.. لماذا سُمّي «المتنبي الأخير»؟
أطلق بعض النقاد والقراء على عبد الرزاق عبد الواحد لقب «المتنبي الأخير»، في إشارة إلى قوة لغته الشعرية وحضوره في القصيدة العربية الكلاسيكية.
وقد تميز شعره باللغة الفصيحة، والاعتماد على الوزن والقافية، والقدرة على الجمع بين الفخامة اللغوية والصورة العاطفية المباشرة.
كما كان للحرب حضور بارز في شعره، إذ تناولت قصائده مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث، بما في ذلك الحرب العراقية الإيرانية، وحرب عام 1991، والحصار، ثم تداعيات الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
ولم تقتصر شهرته على القصائد الوطنية، بل كتب في الغزل والرثاء والحب والحنين والتأمل، ما جعل تجربته الشعرية أكثر اتساعاً من اختزالها في شعر الحرب وحده.
أشهر قصائد عبد الرزاق عبد الواحد
من أبرز القصائد التي ارتبط اسم عبد الرزاق عبد الواحد بها:
- سلام على بغداد
- من لي ببغداد؟
- يا صبر أيوب
- لا تطرق الباب
- حنين النوق
- حشود من الحب والكبرياء
وتكشف هذه العناوين، مجتمعة، عن المحاور الأساسية في تجربته: العراق، بغداد، الحرب، الفراق، الأسرة، والحنين.
شعر عبد الرزاق عبد الواحد.. ذاكرة العراق في القصيدة
تكمن أهمية عبد الرزاق عبد الواحد في أن قصيدته لم تكن منفصلة عن عصرها. لقد حملت معها ذاكرة جيل عراقي عاش التحولات السياسية والحروب والمنفى، ولذلك بقي العراق حاضراً في معظم مفاصل تجربته.
وفي قصائد بغداد تحديداً، تتحول المدينة من جغرافيا إلى شخصية شعرية؛ فهي الأم والحبيبة والطفولة والبيت والذاكرة.
وربما لهذا السبب ما زالت قصائد مثل «سلام على بغداد» و**«من لي ببغداد؟»** تُتداول ويبحث عنها القراء بعد سنوات من وفاة الشاعر. فحين يكتب الشاعر عن مدينة تحمل في داخله كل حياته، لا يصبح النص مجرد قصيدة عن مكان، بل يتحول إلى قصيدة عن الذاكرة والهوية والفقدان.
الخلاصة
يظل عبد الرزاق عبد الواحد أحد الأسماء البارزة في الشعر العراقي الحديث، وتبقى قصائده عن بغداد والعراق من أكثر أعماله حضوراً في الذاكرة الأدبية العربية.
من «سلام على بغداد» إلى «من لي ببغداد؟»، ومن «يا صبر أيوب» إلى قصائد الفراق والمنفى، رسم الشاعر عالماً شعرياً امتزج فيه حب الوطن بالألم، والحنين بالغياب، والذاكرة بالخوف من فقدان كل ما كان جميلاً.
ولهذا فإن قراءة شعر عبد الرزاق عبد الواحد اليوم لا تعني العودة إلى قصائد شاعر عراقي فحسب؛ بلکه بازگشت به ذاكرة عراقية كاملة، مكتوبة بلغة الشعر.
أسئلة شائعة عن عبد الرزاق عبد الواحد
عبد الرزاق عبد الواحد شاعر عراقي بارز في الشعر العربي الحديث، ولد في بغداد عام 1930 وتوفي في باريس عام 2015. عُرف بغزارة إنتاجه الشعري وبقصائده عن العراق والحرب والمنفى والحنين.
من أشهر قصائده «سلام على بغداد» و**«من لي ببغداد؟»** و**«يا صبر أيوب»**، وهي قصائد ارتبطت بالعراق وبموضوعات الحنين والألم والحرب.
أطلق بعض النقاد والقراء عليه هذا اللقب بسبب مكانته الشعرية وقوة لغته وارتباطه بالقصيدة العربية الفصيحة، مع بقاء اللقب وصفاً نقدياً لا لقباً رسمياً.
توفي الشاعر في باريس في 8 نوفمبر 2015، عن عمر ناهز 85 عاماً.


لا يوجد تعليق