نصب الحرية في بغداد.. سجل بصري يروي ذاكرة العراق الحديثة

6
نصب الحرية

نصب الحرية


يُعدّ نصب الحرية أحد أبرز المعالم الفنية في بغداد،وواحداً من أهم الرموز الثقافية التي توثّق مرحلة مفصلية من تاريخ العراق المعاصر، وأيقونة تشكيلية خالدة صاغها الفنان العراقي الراحل جواد سليم، ليحوّل الفضاء العام إلى سجل بصري يوثق التحولات السياسية والاجتماعية في تاريخ العراق الحديث، ولا سيما أحداث ثورة 14 تموز 1958.

بنية فنية تحاكي سرد التاريخ

يتكوّن النصب من 14 قطعة برونزية منفصلة، ترمز إلى ثورة 14 تموز 1958، حيث اعتمد جواد سليم أسلوب السرد الرمزي المتسلسل، محولاً سطح النصب إلى ما يشبه “كتاباً بصرياً” يروي مراحل متعاقبة من الألم والانتقال نحو الحرية.

وتبدأ الحركة البصرية من جهة اليمين بحالة من الاضطراب، ثم تتدرج نحو اليسار لتصل إلى النظام والهدوء، في إشارة رمزية إلى مسار التحول السياسي والاجتماعي في العراق.

أبرز العناصر الرمزية

يحتوي النصب على مجموعة من الرموز الفنية التي تعكس مراحل مختلفة من التاريخ الاجتماعي والسياسي، ومن أبرزها:

رمز السجين السياسي الذي يعكس مقاومة القمع
الجندي الذي يمثل لحظة التحول التاريخي
مشاهد الأمومة والحزن التي تعبر عن التضحيات الإنسانية
رمز الطفل الذي يشير إلى بداية الأمل
رمز المرأة حاملة المشعل الذي يجسد الحرية والانبعاث

كما تظهر رموز مستوحاة من حضارات وادي الرافدين مثل الثور المجنح، في إشارة إلى عمق الإرث الحضاري العراقي.

لحظة التحول نحو الحرية

في الجزء الأوسط من النصب، تتجسد نقطة التحول الكبرى، حيث تنكسر رموز القمع وتبدأ مرحلة الانتقال إلى فضاء الحرية. وتظهر رمزية المرأة حاملة المشعل، المستوحى من الإرث الإغريقي، بوصفه رمزاً للحرية والانبعاث.

ويُلاحظ في هذا الجزء تحول القضبان الحديدية إلى أشكال نباتية، في دلالة على الانتقال من القهر إلى النمو والحياة، ومن الألم إلى الازدهار.

العراق في رموزه الحضارية

لم يغفل جواد سليم الإشارة إلى الجذور الحضارية للعراق، إذ استحضر رموز حضارات وادي الرافدين مثل السومرية والآشورية والبابلية، عبر توظيف الثور المجنح، والنقوش القديمة، والرموز الزراعية.

كما يظهر نهرا دجلة والفرات في صياغة رمزية عبر عناصر إنسانية وزراعية، في إشارة إلى الخصوبة والامتداد الحضاري، وإلى وحدة الأرض العراقية شمالاً وجنوباً.

وحدة الإنسان والأرض

يقدّم النصب أيضاً رمزية للفلاحين بملابس سومرية وآشورية، يحملان أداة زراعية واحدة، في دلالة على وحدة المصير بين مكونات المجتمع العراقي، بينما يظهر العامل في أقصى اليسار رمزاً لبناء المستقبل الصناعي.

ويجمع النصب بين الماضي والحاضر، بين الأسطورة والتاريخ، ليقدّم رؤية متكاملة لهوية العراق.

أيقونة في قلب بغداد

يقع نصب الحرية اليوم في حديقة الأمة في جانب الرصافة من بغداد، ويُعدّ أحد أهم المعالم الفنية في البلاد، ورمزاً وطنياً يتجاوز كونه عملاً فنياً ليصبح شهادة بصرية على تاريخ أمة بكاملها.

وفي النهاية، لا يُقرأ هذا النصب كعمل نحتي فقط، بل كـ ذاكرة وطنية مجسدة تعكس صراع العراق الطويل بين الألم والأمل، وبين القيد والحرية.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *